كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ذكر القصة في ذلك:
فلما اجتمع نمرود وقومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بنيانًا كالحظيرة بقرية يقال لها كوثى ثم جمعوا له صلاب الحطب وأصناف الخشب مدة شهر حتى كان الرجل يمرض فيقول: لئن عوفيت لأجمعن حطبًا لإبراهيم وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته لتحتطبن في نار إبراهيم، وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها احتسابًا في دينها، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب من ماله لإبراهيم، فلما جمعوا ما أرادوا أشعلوا في كل ناحية من الحطب نارًا فاشتعلت النار واشتدت حتى إن الطير ليمر بها فتحرق من شدة وهجها وحرها، فأوقدوا عليها سبعة أيام، فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم لم يعلموا كيف يلقونه، فقيل إن إبليس جاء وعلمهم عمل المنجنيق فعملوه ثم عمدوا إلى إبراهيم فقيدوه ورفعوه على رأس البنيان ووضعوه في المنجنيق مقيدًا مغلولًا، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين صيحة واحدة: أي ربنا إبراهيم خليلك يلقى في النار وليس في أرضك أحد يعبدك غيره، فأذن لنا في نصرته فقال الله تعالى: إنه خليلي ليس لي خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري فإن استغاث بأحد منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري، فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه، فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه وقال: إن أردت أخمدت النار، وأتاه خازن الهواء وقال: إن شئت طيرت النار في الهواء فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل.
وروي عن أبي بن كعب أن إبراهيم قال حين أوثقوه في النار: لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، ثم رموا به في المنجنيق إلى النار، فاستقبله جبريل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة قال: أما إليك فلا قال جبريل فسأل ربك فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي خ عن ابن عباس في قوله تعالى: {وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} قال: قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين {قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} قال كعب الأحبار: جعل كل شيء يطفىء عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ في النار ق عن أم شريك: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ» زاد البخاري وقال: «كان ينفخ على إبراهيم».
قال: {قلنا} يعني {يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم} قال ابن عباس: لو لم يقل سلامًا لمات إبراهيم من بردها، وفي بعض الآثار أنه لم يبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت فلم ينتفع في ذلك اليوم بنار في العالم، ولو لم يقل على إبراهيم بقيت ذات برد أبدًا، وقيل: أخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس.
قال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه قالوا: وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام، قاله المنهال بن عمرو وقال إبراهيم: ما كنت أيامًا قط أنعم مني من الإيام التي كنت في النار.
وقيل: وبعث الله تعالى ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد إلى جنب إبراهيم يؤنسه.
قالوا: وبعث الله جبريل بقميص من حرير الجنة وطنفسة فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه، وقال جبريل: يا إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي.
ثم نظر نمرود وأشرف على إبراهيم من صرح له فرأه جالسًا في روضة والملك قاعد إلى جنبه وما حوله نار تحرق الحطب، فناداه يا إبراهيم كبير إلهك الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين النار يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها قال نعم. قال: هل تخشى إن قمت أن تضرك قال لا. قال: فقم فاخرج منها فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها فلما وصل إليه قال له إبراهيم من الرجل الذي رأيته معك مثلك في صورتك قاعدًا إلى جنبك؟ قال: ذلك ملك الظل أرسله إلى ربي ليؤنسني فيها فقال نمرود يا إبراهيم إني مقرب إلى إلهك قربانًا لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده وإني ذابح له أربعة آلاف بقرة.
قال إبراهيم: لا يقبل الله منك ما دمت على دينك حتى تفارقه وترجع إلى ديني فقال: لا أستطيع ترك ملكي ولَكِن سوف أذبحها، فذبحها نمرود، وكف عن إبراهيم ومنعه الله منه قوله: {وأرادوا به كيدًا} يعني أرادوا أن يكيدوه {فجعلناهم الأخسرين} قيل: معناه أنهم خسروا السعي والنفقة ولم يحصل لهم مرادهم.
وقيل: إن الله تعالى أرسل على نمرود وقومه البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم ودخلت في دماغه بعوضة فأهلكته.
قوله تعالى: {ونجيناه ولوطًا} يعني من نمرود وقومه {إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} يعني إلى أرض الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الاشجار والثمار والأنهار.
وقال أبي بن كعب: بارك الله فيها وسماها مباركة لأنه ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس.
وقيل: لأن أكثر الأنبياء منها ق عن أبي قتادة أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال لكعب: ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره فقال كعب: إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين أن الشام كنز الله من أرضه وبها كنز من عباده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم» أخرجه أبو داود، أراد بالهجرة الثانية الهجرة إلى الشام يرغب في المقام بها عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى لأهل الشام فقلت وما ذاك يا رسول الله قال لأن الملائكة باسطة أجنحتها عليها» أخرجه الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: «قلت يا رسول الله أين تأمرني؟ قال ها هنا ونحا بيده نحو الشام» أخرجه الترمذي.
قال محمد بن إسحاق: استجاب لإبراهيم رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله تعالى به من جعل النار عليه بردًا وسلامًا على خوف من نمرود وملئهم وآمنت به سارة بنت هاران الأكبر عم إبراهيم، وتبعه لوط وكان ابن أخيه وهو لوط بن هاران وهو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث اسمه ناخور فثلاثتهم اولاد تارخ وهو آزر، فخرج إبراهيم من كوثى من أرض العراق مهاجرًا إلى ربه معه لوط وسارة فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حران فمكث بها ما شاء الله، ثم خرج مهاجرًا حتى قدم مصر، ثم خرج ورجع إلى الشام فنزل السبع من أرض فلسطين، ونزل لوط بالمؤتفكة وهي على مسيرة يوم وليلة من السبع فبعثه الله نبيًّا إلى أهلها وما قرب منها فذلك قوله تعالى: {ونجيناه ولوطًا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين}.
قوله تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} يعني عطية من عطاء الله.
قال ابن عباس: النافلة هو يعقوب لأن الله تعالى أعطى إبراهيم إسحاق بدعائه حيث قال: رب هب لي من الصالحين وزاده يعقوب نافلة وهو ولد الولد {وكلا جعلنا صالحين} يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب {وجعلناهم أئمة} يعني قدوة يهتدى بهم في الخير {يهدون بأمرنا} يعني يدعون الناس إلى ديننا بأمرنا {وأوحينا إليهم فعل الخيرات} يعني العمل بالشرائع {وإقام الصلاة} يعني المحافظة عليها {وإيتاء الزكاة} يعني الواجبة وخصهما لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية وشرعت لذكر الله والزكاة أفضل العبادات المالية ومجموعها التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله {وكانوا لنا عابدين} يعني موحدين قوله: {ولوطًا أتيناه حكمًا} أي الفصل بين الخصوم بالحق وقيل أراد الحكمة والنبوة {وعلمًا ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث} يعني قرية سدوم وأراد أهلها وأراد بالخبائث إتيان الذكور في أدبارهم، وكانوا يتضارطون في مجالسهم مع أشياء أخرى كانوا يعلمونها من المنكرات {إنهم كانوا قوم سوء فاسقين وأدخلناه في رحمتنا} قيل: أراد بالرحمة النبوة وقيل أراد بها الثواب {إنه من الصالحين} أي الأنبياء.
قوله تعالى: {ونوحًا إذ نادى من قبل} أي من قبل إبراهيم ولوط {فاستجبنا له} أي أجبنا دعاءه {فنجيناه وأهله من الكرب العظيم} قال ابن عباس من الغرق وتكذيب قومه له، وقيل: إنه كان أطول الأنبياء عمرًا وأشدهم بلاء.
والكرب أشد الغم {ونصرناه} أي منعناه {من القوم الذين كذبوا بآياتنا} من أن يصلوا إليه بسوء وقيل من بمعنى على {إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين}.
قوله: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث} قال ابن عباس وأكثر المفسرين: كان الحرث كرمًا قد تدلت عناقيده وقيل كان زرعًا وهو أشبه بالعرف {إذا نفشت فيه غنم القوم} أي رعته ليلًا فأفسدته وكان بلا راع {وكنا لحكمهم شاهدين} أي كان ذلك بعلمنا ومرأى منا لا يخفى علنيا علمه.
وفيه دليل لمن يقول بأن أقل الجمع اثنان لقوله وكنا لحكمهم والمراد به داود وسليمان قال ابن عباس وغيره: إن رجلين دخلا على داود أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الزرع إن غنم هذا دخلت زرعي ليلًا فوقعت فيه فأفسدته فلم تبق منه شيئًا فأعطاه رقاب الغنم بالزرع، فخرجا فمرا على سليمان فقال: كيف قضى بينكما فأخبراه فقال سليمان: لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا وروي أنه قال غير هذا أرفق بالفريقين، فأخبر بذلك داود فدعاه وقال: كيف تقضي ويروى أنه قال له بحق النبوة والأبوة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين؟ قال أدفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها، ويزرع صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فاذا صار الحرث كهيئته يوم أكل دفع إلى صاحبه وأخذ صاحب الغنم غنمه فقال داود: القضاء ما قضيت وحكم بذلك، فقيل: كان لسليمان يوم حكم بذلك من العمر إحدى عشر سنة.
وحكم الإسلام في هذه المسألة أن ما أفسدته الماشية المرسلة من مال الغير بالنهار فلا ضمان على ربها وما أفسدته بالليل ضمنه ربها لأن في عرف الناس أن أصحاب الزرع يحفظونه بالنهار والمواشي تسرح بالنهار وترد بالليل إلى المراح.
ويدل على هذه المسألة ماروى حرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطًا لرجل من الأنصار فأفسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل وزاد في رواية: وإن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل، أخرجه أبو داود مرسلًا.
وذهب أصحاب الرأي أن المالك إذا لم يكن مع ماشيته فلا ضمان عليه فيما أتلفت ليلًا كان أو نهارًا، فذلك قوله تعالى: {ففهمناها سليمان} أي علمناه وألهمناه حكم القضية {وكلًا} أي داود وسليمان {آتينا حكمًا وعلمًا} أي بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام قال الحسن لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد هلكوا ولَكِن الله حمد هذا بصوابه وأثنى على هذا باجتهاده.
واختلف العلماء في أن حكم داود كان باجتهاده أم بنص، وكذلك حكم سليمان فقال بعضهم: حكمًا بالاجتهاد.
قال: ويجوز الاجتهاد للأنبياء ليدركوا ثواب المجتهدين والعلماء لهم الاجتهاد في الحوادث إذا لم يجدوا فيها نص كتاب أو سنة وإذا أخطؤوا فلا إثم عليهم ق عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر» وقال قوم إن داود وسليمان حكما بالوحي فكان حكم سليمان ناسخًا لحكم داود ومن قال بهذا يقول لا يجوز للأنبياء الحكم بالاجتهاد لأنهم مستغنون عنه بالوحي، واحتج من ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب بظاهر هذه الآية وبالحديث حيث وعد الثواب للمجتهد على الخطأ، وهو قول أصحاب الرأي وذهب جماعة إلى أنه ليس كل مجتهد مصيبًا بل إذا اختلف اجتهاد المجتهدين في حادثة كان الحق مع واحد لا بعينه، ولو كان كل واحد مصيبًا لم يكن للتقسيم معنى، وقوله: صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد فأخطأ فله أجر» لم يرد به أنه يؤجر على الخطأ بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق لأن اجتهاده عبادة والإثم في الخطأ عنه موضوع إذا لم يأل جهدًا، ووجه الاجتهاد في هذا الحكم أن داود قوم قدر الضرر في الحرث فكان مساويًا لقيمة الغنم، وكان عنده أن الواجب في ذلك الضرر في الحرث قيمة المثل، فلا جرم سلم الغنم إلى المجني عليه.
وأما سليمان فإن اجتهاده أدى إلى أنه يجب مقابلة الأصول بالأصول والزوائد بالزوائد، فأما مقابلة الأصول بالزوائد فغير جائزة، ولعل منافع الغنم في تلك السنة كانت موازية لمنافع الحرث فحكم به.
ومن أحكام داود وسليمان عليهما السلام ما روي عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كانت امرأتان معها ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت لصاحبتها إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى» أخرجاه في الصحيحين. قوله تعالى: {وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير} أي يسبحن مع داود إذا سبح قال ابن عباس كان يفهم تسبيح الحجر والشجر، قيل: كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح وكذلك الطير وقيل معنى يسبحن يصلين معه إذا صلى وقيل كان داود إذا افتر يسمعه الله تسبيح الجبال والطير لنشط في التسبيح ويشتاق إليه {وكنا فاعلين} يعني ما ذكر من التفهيم وإيتاء الحكم والتسخير.
{وعلمناه صنعة لبوس لكم} أي صعنة الدروع التي تلبس في الحرب قيل أول من صنع الدروع وسردها واتخذها حلقًا داود وكانت من قبل صفائح قالوا إن الله ألان الحديد لداود بأن يعمل منه بغير نار كأنه طين والدرع يجمع بين الخفة والحصانة وهو قوله تعالى: {لتحصنكم} أي تمنعكم {من بأسكم} أي حرب عدوكم وقيل من وقع السلاح فيكم وقيل ليحصنكم الله به {فهل أنتم شاكرون} أي يقول ذلك لداود وأهل بيته.
قوله: {ولسليمان الريح} أي وسخرنا لسليمان الريح وهو جسم متحرك لطيف ممتنع بلطفه من القبض عليه يظهر للحسن بحركته ويخفى عن البصر بلطفه {عاصفة} أي شديدة الهبوب.
فإن قلت: قد وصفها الله بالرخاء وهي الريح اللينة قلت: كانت الريح تحت أمره إن أراد أن تشتد اشتدت وإن أراد أن تلين لانت {تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها} يعني الشام وذلك لأنها كانت تجري بسليمان وأصحابه حيث يشاء سليمان ثم يعود إلى منزله بالشام {وكنا بكل شيء عالمين} أي بصحة التدبير فيه وعلمنا ان ما يعطى سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه.
قال وهب: كان سليمان عليه السلام إذا خرج إلى مجلسه حلقت عليه الطير وقام له الإنس والجن حتى يجلس على سريره، وكان أمرأ غزاء، قلما كان يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حى يذله، وكان فيما يزعمون إذا أراد الغزو أمر بعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته، حتى إذا استقلت به أمر الرخاء فمرت به شهرًا في روحته وشهرًا في غدوته إلى حيث أراد. وكانت تمر بعسكره الريح الرخاء وبالمزرعة فما تحركها ولا تثير ترابًا ولا تؤذي طائرًا.